ترى الكاتبة نسرين مالك أن الحرب على إيران، حتى لو اقتربت من نهايتها، تركت أثرًا عميقًا يتجاوز ساحات القتال. فقد دفعت شعوب المنطقة إلى التعايش مع الخوف والعنف والاضطراب بوصفها عناصر عادية في الحياة اليومية، بعدما تحولت الأحداث الاستثنائية إلى واقع مألوف يصعب الفكاك منه.
ونشرت صحيفة الجارديان هذا التحليل في ظل الإعلان عن اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة أن الحديث عن نهاية الحرب لا يمحو آثار الأشهر السابقة التي شهدت تصعيدًا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا واسع النطاق امتد تأثيره إلى مختلف دول الشرق الأوسط.
تطبيع الخوف والعنف في الشرق الأوسط
تشير الكاتبة إلى أن قدرة البشر على التكيف مع المعاناة لا تعني فقط الصمود أمام الأزمات، بل تعني أيضًا اعتياد أوضاع كان يُفترض أن تبدو صادمة وغير مقبولة. ومع استمرار الحرب على إيران لأشهر طويلة، اعتاد سكان المنطقة أخبار الضربات العسكرية والتهديدات المتبادلة والتوترات السياسية، حتى فقدت تلك التطورات كثيرًا من قدرتها على إثارة الدهشة.
وعاشت شعوب الشرق الأوسط حالة من القلق الدائم نتيجة الغارات والهجمات المتبادلة بين الأطراف المتصارعة، بينما واجه المواطنون العاديون أعباء اقتصادية متزايدة واضطرابات سياسية وأمنية أثرت في حياتهم اليومية. وأصبح الخوف جزءًا من المشهد العام بعدما انتشرت حالة عدم اليقين بشأن مستقبل المنطقة.
سياسات ترامب وتأجيج الأزمة
تنتقد الكاتبة أداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأزمة، موضحة أنه أمر بشن ضربات على إيران، كما تحدث عن السيطرة على جزيرة خرج التي تمثل مركزًا رئيسيًا لصادرات النفط الإيرانية. وفي الوقت نفسه، أعلن مرارًا اقتراب التوصل إلى اتفاق سلام، قبل أن يعود التصعيد العسكري ليفرض نفسه على المشهد.
وترى أن تكرار التصريحات الأمريكية حول قرب انتهاء الحرب أفقد تلك الوعود مصداقيتها لدى الرأي العام، خصوصًا مع استمرار الضربات العسكرية وتوسع نطاق التوتر الإقليمي. كما ساهمت السياسات الأمريكية في زيادة حالة عدم الاستقرار، وأدت إلى اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، فضلًا عن تعميق المخاوف الأمنية في الشرق الأوسط.
تداعيات اقتصادية وسياسية مستمرة
رغم الإعلان عن اتفاق سلام بين واشنطن وطهران، تؤكد الكاتبة أن الأضرار التي خلفتها الحرب لن تختفي سريعًا. فقد تسببت المواجهة في اضطراب الاقتصاد العالمي، وأثارت مخاوف واسعة بشأن إمدادات الطاقة والملاحة البحرية، خاصة مع التهديدات التي طالت مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
كما تركت الحرب آثارًا سياسية عميقة داخل المنطقة، إذ عززت حالة الاستقطاب والتوتر وأضعفت الاستقرار في عدد من الدول. وترى الكاتبة أن التدخلات العسكرية الأمريكية المتكررة لم تعالج جذور الأزمات، بل ساهمت في كثير من الأحيان في إنتاج موجات جديدة من الاضطراب وعدم اليقين.
وتخلص نسرين مالك إلى أن أخطر ما خلفته الحرب لا يتمثل فقط في الخسائر البشرية والمادية، بل في ترسيخ فكرة أن العنف والخوف والفوضى أمور طبيعية يمكن التعايش معها. ومع أن الاتفاق الحالي قد يوقف القتال مؤقتًا، فإن آثار الحرب ستظل حاضرة في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة وفي واقعها السياسي والاقتصادي لسنوات طويلة.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/jun/15/iran-war-new-phase-fear-killing-upheaval-normalised

